العلاقة بين
التشريعات التاريخية الأولى (مثل قوانين المصانع البريطانية في القرن التاسع عشر)
والأنظمة الإدارية الحديثة مثل ISO 45001 هي علاقة تطور وتراكم معرفي.
التشريعات الأولى لم تضع مجرد مواد قانونية، بل صاغت "المفاهيم الفلسفية
والتنظيمية" التي تحولت عبر العقود إلى ركائز أساسية تبنى عليها الأنظمة
الحديثة.
يمكن تلخيص هذا
التحول التراكمي في النقاط التالية:
1. من "الرقابة الخارجية" إلى
"التدقيق الداخلي والامتثال"
- في الماضي: أسس قانون المصانع لعام 1833 نظام "مفتشي
المصانع الحكوميين"، وهي المرة الأولى التي يتقبل فيها المجتمع الصناعي
فكرة وجود "طرف ثالث مستقل" يدخل المنشأة ليتأكد من مطابقة شروط
العمل للقانون.
- في الأنظمة الحديثة (ISO
45001): تطور هذا المفهوم ليصبح ركيزة "الامتثال والتدقيق" (Auditing
& Compliance). لم
يعد المصنع ينتظر المفتش الحكومي ليكتشف الأخطاء، بل يلزم بند (9.2) في
مواصفة الأيزو المنشأة بإنشاء نظام "تدقيق داخلي" دوري ومستقل
لتقييم أدائها بنفسها، محاكاةً لفكرة التفتيش التاريخية، ولكن كآلية تصحيح
ذاتية ومستمرة.
2. مأسسة "إجراءات السلامة
الهندسيّة"
- في الماضي: ألزم قانون عام 1844 أصحاب المصانع لأول مرة بـ تسييج الآلات الخطيرة (Machinery
Guarding) لحماية العمال من الأجزاء المتحركة. كان هذا أول
اعتراف تشريعي بأن التصميم الهندسي للمكان يجب أن يتغير لحماية الإنسان.
- في الأنظمة الحديثة (ISO
45001): هذا المفهوم البسيط تطور ليصبح بند "تسلسل هرم التحكم في المخاطر" (Hierarchy
of Controls) في المواصفة الحديثة (البند 8.1.2). التسييج التاريخي
للآلة يقع اليوم تحت مظلة "التحكم الهندسي" (Engineering Controls)، وهو حجر الزاوية في تصميم أي بيئة
عمل آمنة حديثاً.
3. تحويل "إصابات العمل" إلى
بيانات ومؤشرات قياس
- في الماضي: فرضت القوانين القديمة إلزامية "التبليغ عن
الحوادث الجسيمة والمميتة" إلى السلطات لتوثيقها ومعاقبة المقصرين.
- في الأنظمة الحديثة (ISO
45001): تحول مجرد التبليغ الروتيني إلى بند كامل لإدارة "الحوادث، عدم المطابقة، والإجراءات التصحيحية" (Incident
Investigation & RCA).
الهدف لم يعد مجرد إحصاء الجثث أو الإصابات (Lagging Indicators)، بل تحليل الأسباب الجذرية لمنع
التكرار، وهو ما تطلبه المواصفة في بندها العاشر (Improvement).
4. إشراك العمال وتمكينهم (Worker Participation)
- في الماضي: بدأت التشريعات تدريجياً في الاعتراف بحق العمال في
رفض العمل في ظروف شديدة الخطورة، وظهرت بدايات اللجان العمالية التي ترفع
الشكاوى للمفتشين.
- في الأنظمة الحديثة (ISO
45001): أفردت المواصفة بنداً خاصاً واستثنائياً يحمل رقم
(5.4) يُعنى بـ "استشارة ومشاركة العمال" (Consultation
and Participation of Workers). واعتبرت الأيزو أن نظام السلامة يولد ميتاً إذا لم
يشارك العامل خط الدفاع الأول في صياغته وتقييم مخاطره، وهو امتداد مباشر
لنضال الحركات العمالية التي ولدت مع التشريعات الأولى.
5. دور القيادة وتحمل المسؤولية القانونية
- في الماضي: نسفت القوانين الأولى مبدأ "الثالوث غير
المقدس" وجعلت صاحب العمل مسؤولاً جنائياً ومالياً عن توفير الحد الأدنى
من الأمان.
- في الأنظمة الحديثة (ISO
45001): ركزت المواصفة بشكل صارم في إصدارها الأحدث على بند "القيادة والمشاركة الإدارية" (Leadership
and Worker Participation - Clause 5). ألغت
الأيزو فكرة إلقاء المسؤولية كاملة على "مشرف السلامة" بمفرده، بل
جعلت الإدارة العليا هي المسؤول الأول والمباشر عن نجاح أو فشل نظام السلامة،
تماماً كما حددت التشريعات التاريخية مسؤولية صاحب المصنع.
خلاصة القول: التشريعات الأولى
بدأت كـ "رد فعل" (Reactive) لفرض حدود دنيا
للأمان بقوة القانون الزجرية، بينما جاءت مواصفة ISO 45001 لتأخذ هذه الجذور وتصيغها في
إطار "استباقي منظم" (Proactive
System) يعتمد على دورة
التحسين المستمر (PDCA - خطط، نفذ، تحقق، صحح)، محولةً
السلامة من التزام قانوني جاف إلى ثقافة مؤسسية ذكية تقود الإنتاجية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق